محمد حسين هيكل
238
حياة محمد ( ص )
اكتب باسمك اللّهم » قال رسول اللّه : « اكتب باسمك اللّهم » . ثم قال : « اكتب : هذا ما صالح عليه محمد رسول اللّه سهيل بن عمرو » . فقال سهيل : « أمسك ، لو شهدت أنك رسول اللّه لم أقاتلك ، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك » . قال رسول اللّه : « أكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللّه » . . . ثم كتبت العهدة بين الطرفين وفيها أنهما تهادنا عشر سنين ، في رأي أكثر كتّاب السيرة ، وسنتين في قول الواقدي ، وأن من أتي محمدا من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم ، ومن جاء قريشا من رجال محمد لم يردّوه عليه ، وأنه من أحب من العرب مخالفة محمد فلا جناح عليه ، ومن أحبّ مخالفة قريش فلا جناح عليه ، وأن يرجع محمد وأصحابه عن مكة عامهم هذا على أن يعودوا إليها في العام الذي يليه فيدخلوها ويقيموا بها ثلاثة أيام ومعهم من السلاح السيوف في قربها ولا سلاح غيرها . وما كاد هذا العهد يوقّع حتى حالفت خزاعة محمدا وحالفت بنو بكر قريشا . وما كاد هذا العهد يوقع حتى أقبل أبو جندل بن سهيل بن عمرو على المسلمين يريد أن ينضم إليهم ويسير معهم . فلما رأى سهيل ابنه ضرب وجهه وأخذ بتلبيبه وجعل يجرّه ليرده إلى قريش ، وأبو جندل يصيح بأعلى صوته : يا معشر المسلمين ! أؤردّ إلى المشركين يفتنونني في ديني ! وزاد ذلك في قلق المسلمين وعدم رضاهم عن العهد الذي عقد الرسول مع سهيل . لكن محمدا وجه إلى أبي جندل قوله : « يا أبا جندل ، اصبر واحتسب فإن اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين مخرجا . إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد اللّه ، وإنا لا نغدر بهم » . وعاد أبو جندل إلى قريش نفاذا لعهد النبي ووعده ، وقام سهيل راجعا إلى مكة . وأقام محمد مضطربا مما رأى من شأن من حوله ، ثم صلى واطمأن ثم قام إلى هدية فنحره ، ثم جلس فحلق رأسه إيذانا بالعمرة . وقد امتلأت نفسه بالسكينة والرضا . فلمّا رأى الناس صنيعه ورأوا سكينته تواثبوا ينحرون ويحلقون ، وإن منهم من حلق ومنهم من قصّر . قال محمد : يرحم اللّه المحلقين . فتنادي الناس في قلق : والمقصرين يا رسول اللّه ؟ قال : يرحم اللّه المحلّقين . فتنادى الناس في قلق : والمقصرين يا رسول اللّه ؟ قال : والمقصرين . قال بعضهم : فلم ظاهرت يا رسول اللّه الترحم للمحلّقين دون المقصرين ؟ فكان جوابه : لأنهم لم يشكو . لم يبق للمسلمين إلا أن يرجعوا إلى المدينة في انتظار أن يعودوا إلى مكة العام المقبل . وقد كان أكثرهم يحتمل هذه الفكرة على مضض ، ولا يهوّنها على نفسه إلا أنها أمر الرسول ؛ فهم ليس لهم عادة بهزيمة ولا تسليم من غير قتال ، وهم في إيمانهم بنصر اللّه رسوله ودينه لم تخالجهم ريبة في اقتحام مكة لو أنّ محمدا أمر باقتحامها . وأقاموا بالحديبية أيّاما ، منهم من يتساءلون في حكمة هذا العهد عقد النبي ، ومنهم من تحدثه نفسه بالشك في حكمته ، ثم تحملوا وقفلوا راجعين . وأنهم لفي طريقهم بين مكة والمدينة إذ نزل الوحي على النبيّ بسورة الفتح . فتلا النبيّ على أصحابه قوله تعالى : ( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً . لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ) إلى آخر السورة . ( سورة الفتح ) لم يبق إذا ريب في أن عهد الحديبية فتح مبين . وهو قد كان كذلك . وقد أثبتت الأيام أن هذا العهد حكمة سياسية وبعد نظر كان لهما أكبر الأثر في مستقبل الإسلام وفي مستقبل العرب كله . فقد كانت هذه أول مرة اعترفت قريش فيها بمحمد لا على أنه ثائر بها خارج عليها ، ولكن على أنه ندها وعدلها : فاعترفت بذلك بالدولة الإسلامية وقيامها . ثم إن إقرارها للمسلمين بحق زيارة البيت ، وإقامة شعائر الحج ، اعتراف منها بأن الإسلام دين مقرر معترف به من أديان شبه الجزيرة . وهدنة السنتين ، أو السنوات العشر ، قد جعلت المسلمين يطمئنون من ناحية الجنوب ولا يخشون غارة قريش ، ومهدت للإسلام أن يزداد انتشارا . أفليست